فخر الدين الرازي
106
تفسير الرازي
يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ) * . اعلم أن هذا هو الحكم الرابع من أحكام الطلاق وهو بيان الخلع ، واعلم أنه تعالى لما أمر أن يكون التسريح مقروناً بالإحسان ، بين في هذه الآية أن من جملة الإحسان أنه إذا طلقها لا يأخذ منها شيئاً من الذي أعطاها من المهر والثياب وسائر ما تفضل به عليها ، وذلك لأنه ملك بضعها ، واستمتع بها في مقابلة ما أعطاها ، فلا يجوز أن يأخذ منها شيئاً ، ويدل في هذا النهي أن يضيق عليها ليلجئها إلى الافتداء ، كما قال في سورة النساء : * ( ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ) * ( النساء : 19 خ وقوله ههنا : * ( إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ) * هو كقوله هناك : * ( إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) * فثبت أن الإتيان بالفاحشة المبينة قد يكون بالبذاء وسوء الخلق ، ونظيره قوله تعالى : * ( لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) * ( الطلاق : 1 ) فقيل المراد من الفاحشة المبينة البذاء على أحمائها وقال أيضاً : * ( فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً ) * ( النساء : 20 ) فعظم في أخذ شيء من ذلك بعد الإفضاء . فإن قيل : لمن الخطاب في قوله : * ( ولا يحل لكم أن تأخذوا ) * فإن كان للأزواج لم يطابقه قوله : * ( فإن خفتم ألا يقيما حدود الله ) * وإن قلت للأئمة والحكام فهؤلاء لا يأخذون منهن شيئاً . قلنا : الأمران جائزان فيجوز أن يكون أول الآية خطاباً للأزواج وآخرها خطاباً للأئمة والحكام ، وذلك غير غريب في القرآن ، ويجوز أن يكون الخطاب كله للأئمة والحكام ، لأنهم هم الذين يأمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم فكأنهم هم الآخذون والمؤتون . أما قوله تعالى : * ( إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ) * فاعلم أنه تعالى لما منع الرجل أن يأخذ من امرأته عند الطلاق شيئاً استثنى هذه الصورة وهي مسألة الخلع وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : روي أن هذه الآية نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي ، وفي زوجها ثابت بن قيس بن شماس ، وكانت تبغضه أشد البغض ، وكان يحبها أشد الحب ، فأنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالت : فرق بيني وبينه فإني أبغضه ، ولقد رفعت طرف الخباء فرأيته يجيء في أقوام فكان أقصرهم قامة ، وأقبحهم وجهاً ، وأشدهم سواداً ، وإني أكره الكفر بعد الإسلام ، فقال ثابت : يا رسول الله مرها فلترد علي الحديقة التي أعطيتها ، فقال لها : ما تقولين ؟ قالت : نعم وأزيده فقال صلى الله عليه وسلم : * ( لا حديقته فقط ، ثم قال لثابت : خذ منها ما أعطيتها وخل سبيلها